الشيخ السبحاني

172

رسائل ومقالات

طاغُونَ » . « 1 » كان المشركون يحلمون بتحقق هذه الأُمنية الشيطانية ، ويتربّصون به ريب المنون لا يشكّون في أنّ دعوته ستموت بموته ، لأنّه في نظرهم ملك في صورة نبي ، وسلطته سلطة في صورة دعوة إلهية ، فلئن مات أو قتل انقطع أثره وخمد ذكره ، كما هو المشهود من حال الملوك والجبابرة مهما تعالى أمرهم ، وبلغوا في التكبّر والتجبّر وركوب رقاب الناس ، مبلغاً عظيماً وكانوا على هذه الحالة حتى جاء أمين الوحي فأدهشهم وطارت عقولهم ، إذ أمر النبي بتنصيب علي عليه السلام لمقام الولاية الإلهية ، واستخلافه في أمر المسلمين بعده ، مخاطباً إياه بقوله : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » . « 2 » فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في محتشد عظيم من الناس التفّ حوله وجوه المهاجرين والأنصار وأخذ بيد عليّ عليه السلام ورفعها ، وقال : ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : اللهم بلى . فقال : من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه . اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله . « 3 » فصار عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيامه بواجبه في تنصيب عليّ عليه السلام مقام القيادة بعد وفاته ، سبباً ليأس المشركين قاطبة فأذعنوا أنّ النبيّ نور لا يُطفأ ، وسراج لا يخبو ، وأنّ كتابه فرقان لا يخمد برهانه ، وتبيان لا تهدم أركانه ، وعزّ لا تهزم أنصاره ، وحقّ لا تخذل أعوانه . وقد نزل أمين الوحي يبشِّر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن قنوط المشركين

--> ( 1 ) . الطور : 30 - 32 . ( 2 ) . المائدة : 67 . وتسمّى الآية آية البلاغ لاشتمالها على لفظة بلّغ . راجع للوقوف على مصادر نزولها في حقّ الإمام عليّ عليه السلام كتب الحديث والتفسير ، وكفانا في ذلك ما حقّقه الشيخ الأكبر الأميني في كتابه « الغدير » ج 1 ، ص 214 - 229 . ( 3 ) . لاحظ مصادر حديث الغدير في موسوعة « الغدير » ج 1 ، ص 14 - 151 .